ابن أبي الحديد
54
شرح نهج البلاغة
وأمره عليه السلام أن يتفقد من أمور الجيش ما يتفقد الوالدان من حال الولد ، وأمره ألا يعظم عنده ما يقويهم به وإن عظم ، وألا يستحقر شيئا تعهدهم به وإن قل ، وألا يمنعه تفقد جسيم أمورهم عن تفقد صغيرها وأمره أن يكون آثر رؤوس جنوده عنده وأحظاهم عنده وأقربهم إليه من واساهم في معونته ، هذا هو الضمير الدال على أن الضمير المذكور أولا للجند لا لأمراء الجند ، لولا ذلك لما انتظم الكلام . قوله : " من خلوف أهليهم " ، أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم . ثم قال لا يصح نصيحة الجند لك إلا بحيطتهم على ولاتهم ، أي بتعطفهم عليهم وتحننهم ، وهي الحيطة على وزن الشيمة ، مصدر حاطه يحوطه حوطا وحياطا ، وحيطة ، أي كلأه ورعاه ، وأكثر الناس يروونها " إلا بحيطتهم " بتشديد الياء وكسرها ، والصحيح ما ذكرناه . قوله : " وقلة استثقال دولهم " ، أي لا تصح نصيحة الجند لك إلا إذا أحبوا أمراءهم ثم لم يستثقلوا دولهم ، ولم يتمنوا زوالها . ثم أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاء ذوي البلاء منهم ، فإن ذلك مما يرهف عزم الشجاع ويحرك الجبان . قوله : ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره " ، أي أذكر كل من أبلى منهم مفردا غير مضموم ذكر بلائه إلى غيره كي لا يكون مغمورا في جنب ذكر غيره . ثم قال له : لا تعظم بلاء ذوي الشرف لأجل شرفهم ، ولا تحقر بلاء ذوي الضعة لضعة أنسابهم ، بل أذكر الأمور على حقائقها . ثم أمره أن يرد إلى الله ورسوله ما يضلعه من الخطوب ، أي ما يؤوده ويميله